أحمد بن علي القلقشندي
251
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ما وقع عليه حاسّة البصر ، فأنا مقصدك الأعظم ، ومهمّك المقدّم ؛ طالما أحرقت القلاع بشعاعي ، وحصّنت الجيوش بدفاعي ، وقمت بما لم يقم به الجيش العرمرم والعسكر الجرّار ، وأغنيت مع انفرادي عن كثرة الأعوان ومعاضدة الأنصار . فقال « علم الآلات الحربيّة » : وإنّ حدّك لكليل ، وإنّ جداك لقليل ، وإنّ المستنصر بك لذليل ؛ وماذا عسى تصل في الإحراق إليه ، أو تسلَّط في الحروب عليه ؟ ؛ أنا باع الحرب المديد ، والمحصّن من كلّ بأس شديد ، والتّالي بلسان الصّدق على الأعداء : * ( قُلْ جاءَ الْحَقُّ وما يُبْدِئُ الْباطِلُ وما يُعِيدُ ) * ( 1 ) . فأنا نفس المقصود وعين المراد ، وعمود الحقّ وقاعدة الجهاد . فقال « علم الكيماء » : ما أنت والقتال ، ومواقعة الحروب وقوارع النّزال ؛ وهل أنت إلا آلة من الآلات ، لا تستقلّ بنفسك في حالة من الحالات ؛ وأنّي يغني السّلاح عن الجبان مع خور الطَّباع ، أو يحتاج إليه البطل الصّنديد والمجرّب الشّجاع ؛ فالعبرة بالمقاتل ، لا بالذّوابل ، والعمدة على الرّجال ، لا ببوارق السّيوف عند النّزال ؛ وبكلّ حال فالعمدة في الحروب وجمع العساكر على النّقدين دون ما عداهما ، والاستناد إلى الذّهب والفضّة بخلاف ما سواهما ؛ وإليّ هذا الحديث يساق وعليّ فيه يعتمد ، وعنّي يؤخذ وإليّ في مثله يستند ، أحاول بحسن التدبير ، ما طبخته الطبيعة على ممرّ الدّهور ( 2 ) ، فآتي بمثله في الزّمن القريب ، وأجانس بين المعادن في ممازجتها فيظهر عنها كلّ معنى غريب ، وأبرز من خصائص الإكسير ما يقلب المرّيخ قمرا من غير لبس ، ويحيل الزّهرة شمسا وناهيك بإحالة الزّهرة إلى الشّمس ؛ فصاحبي أبدا عزيز المنال ، شريف النّفس عن الطَّلب عفيف اللسان عن السّؤال .
--> ( 1 ) سبأ / 49 . ( 2 ) إشارة هنا إلى ما كان يعتقده بعض المشتغلين بالكيمياء من إمكانية تحويل النحاس إلى ذهب ، وما شابه ذلك .